منهجية تحليل السؤال الفلسفي - نموج تطبيقي



منهجية تحليل السؤال الفلسفي - نموج تطبيقي

  منهجية تحليل السؤال الفلسفي - نموج تطبيقي     كل سؤال فلسفي يحمل إشكالية محورية يمكن توزيعها إلى عدة تساؤلات فرعية، ثلما يحمل إمكانية جوابين مختلفين على الأقل. يستعمل أحدهما في التحليل، ويرجى الآخر للمناقشة. مثلا السؤال: هل اللغة والفكر متصلان؟ له جوابان على الأقل هما : الموقف الإتصالي او ما يسمى بالراي الاول، ويملأ مساحة التحليل  الموقف الإنفصالي * الراي المخالف*، ويستثمر في مناقشة الجواب الأول   1- المقدمة :  تمهيد يرتبط بالموضوع الذي يؤطر السؤال (النظرية، الحقيقة، السعادة...)، ثم إعادة صياغة هذا الأخير بشكل ينفتح على عدة مقاربات، ستكون محط اهتمامنا خلال العرض (التحليل و للمناقشة)   2- التحليل :  البدءبأحد المواقف وتحليلها تحليلا منظما ينصب على المضمون من جهة وعلى البنية الحجاجية من جهة ثانية. مثلا فيما يخص السؤال السابق يرتكز التحليل على شرح الموقف الإتصالي (دي سوسير + ميرلوبونتي...)، مع عدم إغفال المفاهيم الفلسفية المستعملة في كل موقف  3- المناقشة :  بعد مرحلة إفهام الموقف السابق ننتقل إلى مرحلة الإختلاف والحوار بين المواقف الفلسفية، حيث تحضر الإجابات الأخرى المختلفة والتي تكشف حدود الموقف السابق وقصوره في الإحاطة بكل جوانب الإشكال المطروح، وتساهم في استكمال النظر فيه .   منهجية التعامل مع السؤال المفتوح   1- نوعان من الأسئلة :   من خلال استقراء المتن الذي تجمع لحد الآن من أسئلة الامتحان الوطني للباكالوريا في الدورات الماضية، يمكن التمييز بين نوعين من الأسئلة تبعا لمدى وضوح مطالبها و درجة ارتباطها الصريح والمباشر بإشكالية من إشكاليات الدرس. السؤال المباشر أو المعرفي : الذي يستفهم حول قضية محددة سبق أن طرحت أثناء البناء الإشكالي للدرس، وكأنه يختبر قدرات الاستيعاب ومهارة عرض المعارف في المقام الأول. مثال: هل الشخص حر في بناء شخصيته؟ هل يتأسس الحق على القوة؟ من أين تستمد نظرية ما صلاحيتها؟ ... وفي مثل هذه الحالات، تتأتى معالجة السؤال جوهريا عن طريق استعراض مختلف الإجابات أو المقاربات أو المواقف الفلسفية التي تصدت لهذا الإشكال ومحاولة الخروج بخلاصة تنتصر لأحد المقاربات أو توفق بينها جميعا. السؤال الإشكالي :  الذي لا يحيل بشكل مباشر على الإشكاليات التي سبق تناولها في الدرس. بل إذا كان إشكال النوع الأول أي السؤال المعرفي إشكالا واضحا معطى في ثنايا الاستفهام ذاته، فإنك مطالب هنا بصياغة الإشكال وبنائه و إدراج السؤال ضمن إشكالية فلسفية ليتسنى إضفاء الطابع الفلسفي على المعالجة. أي مساءلة السؤال قبل المضي قدما في الجواب عليه، وانتقاء المعلومات وترتيبها وصياغتها على نحو يجعلها تجيب على السؤال، لأنها في شكلها الخام لا تجيب عليه أبدا !!         مثال :  لماذا يعتبر العقل في العادة معارضا للأهواء؟ هل يمكن أن نتكلم كما نريد؟ من يتحدث عندما أقول "أنا"؟ هل يمنع الاعتقاد الشخصي من بلوغ الحقيقة؟ هل تسمح معرفة الغير بإقامة علاقة صداقة وتواصل معه...  ومن تأمل هذه الأسئلة الأخيرة يتضح لك أن الصعوبة الأولى تتمثل في تحديد ورسم إطار إشكالي للسؤال، وبتعبير مدرسي، لابد أن نتساءل ضمن أي مفهوم / درس أو ضمن أي إشكالية ينبغي إدراج السؤال ومن تم معالجته؟ وما هي المبررات التي تصوغ لنا تأويل مرامي السؤال على هذا النحو وليس على نحو آخر؟ وليس هناك للأسف وصفة أو منهجية جاهزة تعينك على تخطي هذه الصعوبة، فالأمر يتوقف على ذكائك وقريحتك الفلسفية وزادك المعرفي وبراعتك المنهجية ورشاقة أسلوبك لإقناع القارئ/ المصحح بقيمة المقاربة والمعالجة التي قمت بها للسؤال. وفي مثل هذه الحالات ، يصعب بكل بساطة الحديث عن منهجية أو وصفة جاهزة لمعالجة مثل هذه الأسئلة. فكل سؤال يملي أو يوحي - بعديا لا قبليا - بمسلك خاص في التعامل معه.  2- المتطلبات المنهجية المشتركة بين نوعي السؤال :  كيفما كانت نوعية السؤال فلابد من :  مقدمة : تتضمن تمهيدا مناسبا يعقبه طرح للإشكال وتفريعه إلى أسئلته الأساسية إذا أمكن، ويمكن للتمهيد ان ينطلق من قراءة مختصرة لمفهوم أو أكثر وارد في السؤال بحثا عن تناقض أو مفارقة أو علاقة ملتبسة تمنح المشروعية لطرحنا الإشكالي وأسئلتنا.  عرض : تقف فيه على مفاهيم السؤال والعلاقات المحتملة بينها، وتستعرض مختلف الأجوبة التي يقدمها تاريخ الفلسفة على السؤال مع الحرص على التدرج والتسلسل ومنطقية الانتقال و إلا أصبح العرض مجرد نزهة – مملة أحيانا – في غابة وأدغال المواقف و الاستشهادات الفلسفية ! ولا تكتف باستدعاء المعرفة الفلسفية التي تلقيتها بل لابد من إغنائها أيضا بمواد من تفكيرك وملاحظاتك الشخصية و توضح ما غمض من الأفكار بضرب الأمثلة الوجيزة المشفوعة بالتنبيه إلى المغزى كلما أمكن، بل وقد تنفتح على الحس المشترك واعتقادات العامة أيضا إذا دعت الضرورة، لأن المقاربة الفلسفية لا تكتسب كامل قيمتها إلا بالمسافة التي ترسمها بينها وبين بداهات الحس المشترك. باختصار، يمكنك أن تتصور العرض على النحو التالي، خصوصا إذا كان السؤال يبتدئ بـــ "هل" :  1 / نعم، وذلك لأن .... 2/ لكن، ألا يمكن...، / ماذا عن...،/ ماذا لو قاربنا الإشكال هذه المرة من زاوية 3/ إذن، يتبين .... نخلص ....  ويسمى هذا التصميم جدليا لأنه يحاكي مراحل الجدل عند هيغل ( الأطروحة، النقيض، التركيب)  خاتمة : تلخص فيها نتائج عملية بل مغامرة التفكير التي انخرطت فيها منذ طرح الإشكال في المقدمة وحتى آخر فكرة في العرض .   نموج تطبيقي الأستاذ عبد الكريم بوهو  إلى أي حد لا يمكن لمعرفة الغير أن تكون ممكنة؟  لقد اهتمت الفلسفة مند نشأتها بالوجود الإنساني المتعدد والمتداخل الأبعاد، إلا أن اهتمامها بالغير كمفهوم فلسفي وكمكون أساسي من مكونات هذا الوجود، لم يظهر –حسب العديد من المفكرين-إلا في الفلسفة الحديثة بشكل عام، والمتن الفلسفي الهيجيلي (جدلية العبد والسيد) والديكارتي على وجه التحديد، خاصة وأن الأنا المفكرة تستطيع أن تبني معرفتها بالغير دونما حاجة إلى ضرورة وجوده.على هذا الأساس فإن الحديث عن الغير كذات أو كموضوع، يجعلنا نركز تفكيرنا على الفعل الذي يقوم به الإنسان ليدرك أو يعي حقيقته، والمقصود هنا أن الغير يمكن أن يصير موضوعا للمعرفة، يتجه إليه النشاط الفكري للذات العارفة، مجردا كان أو ملموسا، فكرة أو شيئا.إلا أن الاشتغال على إشكالية معرفة الغير في هذا المستوى، يجعلنا لا نتوقف عند هذا الحد مادامت هذه الإشكالية تجعلنا نضع تقابلا بين الذات المفكرة (بكسر الكاف) والغير المفكر فيه (بفتح الكاف)باعتباره موضوعا للمعرفة، خاصة حينما يكون هذا الموضوع متشيئا منفصلا عن الذات المفكرة المتمتعة بالإرادة والقصدية والحرية والفعالية، بينما يصبح الغير شيئا أمبريقيا يفتقد إلى كل هذه المقومات التي تميز الوضع البشري عن غيره.  إن مثل هذه التقابلات هي التي تدفع التفكير الفلسفي إلى أن يهتم بمفهوم الغير، محاولا تحديد مدى إمكانية أو عدم إمكانية معرفة الغير؛ والجدير بالذكر أن التفكير الفلسفي عادة ما يثير هذه الإشكالية، إما في إطار علاقة السلب أو المماثلة. ويمكن تحديد السلب باعتباره مفهوما يستعمل كمرادف للتميز، وأما المماثلة فتشير -على العكس- إلى التطابق بين الأنا والغير. إن أشباه هذه المفارقات هي التي تدفعنا بقوة إلى طرح التساؤلات التالية:إذا كان الغير هو الأنا الذي ليس أنا، المشابه أو المختلف عني، فكيف تحقق الأنا أو الذات معرفتها به؟ وإلى أي حد يمكن لهذه المعرفة أن تكون ممكنة؟ وإذا كانت كذلك، فهل تتم معرفته كموضوع مثل بقية الموضوعات والأشياء الخارجية؟ أم كأنا آخر يملك من الوعي والحرية ما تملكه الأنا، يعي العالم والآخرين ويدركهما من خلال فعل التواصل؟ أم أن معرفتنا للغير هي مجرد افتراض وتخمين؟ في نفس السياق المرتبط بعدم إمكانية معرفة الغير، ما هي أهم الصعوبات التي تجعل الغير سجنا وحصنا منيعا في وجه كل ذات تريد أن تخترق وعيه؟  قبل الإجابة عن هذه التساؤلات بالدقة التي يتطلبها السؤال الإشكالي موضوع التحليل والمناقشة، يتبين أن صياغته الاستفهامية "إلى أي حد...؟" تسائلنا حول ما مدى استحالة معرفة الغير، بمعنى أنه يدفعنا بشكل صريح إلى الانخراط في الإشكال من خلال الوقوف عند الحدود التي تكون فيها معرفة الغير غير ممكنة، كما يشير المسكوت عنه في هذه الصياغة التساؤلية إلى كون معرفة الغير كذلك يمكن أن تكون ممكنة في حدود وبدلالات محددة ومعقولة.  يحيل منطوق السؤال الإشكالي المفتوح قيد التحليل والمناقشة، على أطروحة ضمنية مفادها أن معرفة الغير لا يمكن أن تكون ممكنة. قبل تحليل هذه الأطروحة بما يلائمها من قضايا وأفكار فلسفية، لا بأس أن نقف عند دلالة بعض المفاهيم الأساسية وعلى رأسها مفهوم الغيرl’Autrui ، وهو اسم مفرد لجمع أغيار، ويعني الآخر من الناس، أي الأنا الآخر منظورا إليه ليس بوصفه موضوعا-حجرا أو حيوان- بل بوصفه ذاتا بشرية تملك وعيا وإرادة؛ إنه كما حددته المعاجم الفلسفية لكل من بول فولكيي Paul Foulquié وأندريه لالاند A.Lalande ، هو "الأنا الذي ليس أنا"، المختلف والمشابه لي، إنه بعبارة أخرى أنا آخر مثلي Alter-Ego . كما أن الاشتغال على دلالة مفهوم الغير لا يمكن أن تتقوم إلا من خلال ترابطه البنيوي والجوهري مع المعرفة باعتبارها نتيجة للفاعلية البشرية المتواصلة، أي أن الغير يصير مجرد صورة ذهنية تتشكل انطلاقا من هذه البنية المعرفية المتميزة بالتطور والتغير والدينامية؛ وبالتالي فإن معرفة الغير سترتبط بالنشاط العقلي أو الحسي الذي تتمثل من خلاله الذات العارفة موضوعا ما، أو هي الدخول في علاقة مع موضوع تكون الذات من خلالها معارف قد تكون خاطئة كما قد تكون صحيحة، نسبية أو مطلقة، مجردة أو حسية ملموسة.  لا يمكن للأنا إلا أن تخطئ كلما حاولت معرفة الغير عبر عملية إسقاط لحالاتها الانفعالية وأحاسيسها وعواطفها، أي الحكم عليها من خلال تجارب الذات، لأن هذا الحكم سيكون لا محالة بعيدا عن الحقيقة، لذلك فإن معرفتنا للغير تظل معرفة افتراضية وتخمينية مادامت أحاسيس وميولات الأنا تظل مغايرة لأحاسيس وميولات الغير.كما أن التواصل مع الغير لا يجب أن يقف عند حدود فعل المعرفة واستخدام مناهج تعتمد على المقاربة بالمماثلة، لأنه من شأن هده المناهج أن تفضي إلى معرفة متخيلة ووهمية للغير، وافتراض شفافية الذات إزاء نفسها وتسليمها بوهم الطبيعة البشرية الكونية. إن مظاهر حالات الغير ومشاعره تكون لها دلالات متعددة ومختلفة، فالبكاء مثلا لا يفيد الحزن دائما، كما لا تفيد الابتسامة والضحك حقيقة كون الغير سعيدا؛ أكثر من هذا أن العقل نفسه ليس دائما هو الطريق الذي يحكم صيرورة بناء معرفة ما حول الغير، ذلك لأن هذه الذات لا تقف – كما تؤكد على ذلك مدرسة التحليل النفسي- عند مستوى الوعي والإدراك الواضحين، لسبب بسيط يتمثل في كون هذه الأخيرة بنية نفسية لاشعورية عميقة يصعب سبر أغوارها بشكل دقيق، إنها تشكل كلا مركبا ومتغيرا عبر تغير الزمان والمكان، وبالتالي تنفلت معرفة الغير من أن تكون موضوع تحديد وضبط علميين لمكوناته الشعورية واللاشعورية أيضا.  يتبين جليا أن مثل هذا الطرح له ما يعززه من أفكار وأمثلة حجاجية مقنعة؛ فالذات الإنسانية هي بنية شعورية ولاشعورية جد معقدة ، ليس من السهل فهم حقيقتها الميتافيزيقية والأنطولوجية، السوسيولوجية والسيكولوجية، وغيرها من أبعاد وجودها الأخرى، وما ظهور العلوم الإنسانية في نهاية القرن التاسع عشر إلا دليل على محاولة هذه العلوم فهم الذات البشرية من خلال زوايا نظر متعددة، عبر الارتكاز على مناهج وطرق جد متطورة تعمل على التقليص من فعالية وعي المبحوث التي يمكن أن تخفي حقيقته الموضوعية؛ ففي علم النفس نتحدث مثلا عن التنويم المغناطيسي، وفي الأنثروبولوجيا يمكن الحديث عن المعايشة...، على اعتبار أن وعي الإنسان هو العدو الخفي الذي يواجه تحقيق الموضوعية في العلوم الإنسانية.  كل ما تقدم من أفكار وقضايا يشير في جوهره إلى أهمية الأطروحة التي يحيل عليها منطوق السؤال، على اعتبار أنها تركز على ضرورة إدراك الصعوبات التي تواجه إمكانيات معرفة الغير، من خلال الوقوف عند أهم الإشكالات التي تطرحها هذه المعرفة، لتفتح آفاقا أخرى ترتكز على محاولة تطوير مناهج البحث العلمي في هذا الباب؛ مع العلم أن حدود هذه الأطروحة تفتح الباب أيضا أمام رؤية أخرى لا تعدم إمكانية معرفة الغير كموضوع أو كذات أو كبنية يستهدفها حقلنا الإدراكي عبر عمليات التواصل والحوار.  من بين أهم التصورات الفلسفية التي سارت على نفس المنوال معتبرة أن معرفة الغير غير ممكنة، نجد تصور الفيلسوف الفرنسي نيكولاس مالبرانش N.Malebranche الذي يقوم على قناعة مفادها أن معرفتنا للغير هي معرفة افتراضية لا تقوم على اليقين مادامت معرضة للخطأ، لأنها تقوم على مماثلة الأنا بالغير عبر ما كونته الذات من معرفة حول نفسها بواسطة الإحساسات، وهذا ما يجعل معرفة الغير غير يقينية، وفي هذا السياق يؤكد مالبرانش أنه " من البين أننا لا نعرف نفوس الناس الآخرين، ولا نعرف عقولهم كما هي إلا معرفة قائمة على التخمين" وهذا راجع في نظره إلى كون إحساسات ومشاعر الأنا ليست هي نفسها إحساسات ومشاعر الغير، لذلك تصبح المماثلة بين الطرفين عملية خاطئة. صحيح أنه من الممكن أن تجد الذات في تفكيرها نوعا من المماثلة مقارنة مع تفكير الغير فيما يتعلق ببعض القضايا، مادام العقل هو القاسم المشترك بيننا، يجعل النتائج المتوصل إليها واحدة، خاصة الأمور التي تدرك بالعقل لا بالإحساس والمشاعر والميول، لأن هذه الأخيرة قد تغلب الظلم مثلا عن العدل، والمال بدل الشرف، والشر عوض الخير، فالحالات الانفعالية إيجابية كانت(الفرح) أو سلبية (الغضب والحزن) تؤثر على حكم الشخص أثناء معرفته للغير؛ كل هذه المتغيرات تجعل الفرد مخطئا كلما حاول الحكم على الآخرين من خلال هذه الحالات، لأن شعور أو إحساس الغير بها يكون مخالفا للأنا.  يعتبر تصور مالبرانش بخصوص معرفة الغير امتدادا للموقف الديكارتي الذي يعتبر وجود الغير افتراضيا واحتماليا فقط، وتحقيق معرفة حوله هي أيضا معرفة تخمينية وافتراضية. فإذا كان الوعي الديكارتي يعكس حضور الذات إزاء نفسها، معنى هذا أن الذات المفكرة لا يمكن أن تجزم يقينا سوى بوجودها الخاص. لقد وجد هذا التصور العقلاني الذي يشكك في قدرة الأنا على معرفة الغير ما يؤيده في الفلسفة المعاصرة، إذ نجد الفيلسوف الفرنسي غاستون برجيGaston BERGER (1896- 1960) يذهب من خلال مؤلفه "من القريب إلى الشبيه، حضور الغير" إلى تأكيد استحالة -أو على الأقل - صعوبة معرفة الغير بسبب عزلة كل ذات داخل عالمها الخاص، وفي هذا السياق يقول: " إن روحي ملك لي فعلا، غير أنني سجين داخلها، ولا يمكن للآخرين اختراق وعيي، مثلما لا يمكنني فتح أبوابه لهم، حتى ولو تمنيت ذلك بكل صدق...فالتجربة الذاتية وحدها هي الوجود الحقيقي، فأنا أعيش وحيدا محاطا بسور، وأشعر بالعزلة أكثر من شعوري بالوحدة، وعالمي السري سجن منيع، وأكتشف في نفس الوقت، أن أبواب عالم الآخرين موصدة في وجهي، عالم منغلق بقدر انغلاق عالمي أمامهم. إن ألم الغير، يكشف لي بمرارة انفصالنا الجذري عن بعضنا البعض، انفصال لا يقبل الاختزال بتاتا".  يتبين من خلال تصور غاستون برجي أنه قد صنف نفسه في خانة القائلين "بوحدانية الذات Solipsisme"، لكنه قد تعرض إلى انتقادات متعددة من طرف بعض الفلاسفة المعاصرين نذكر منهم الفيلسوف والأديب الفرنسي جون بول سارتر (1905-1980) الذي ذهب في مؤلفه "الوجود والعدم" إلى تأكيد إمكانية معرفة الغير، لكن كموضوع لا كذات، وفي هذا السياق يقول: "إن الكيفية الوحيدة التي يمكن أن ينكشف لي بها الغير هي أن يتجلى لمعرفتي كموضوع". ولتوضيح هذه القولة، ينطلق سارتر من اعتبار الغير إنسانا وليس شيئا، أي كائن تنتظم حوله الأشياء الأخرى، وهذا الإنسان الآخر ينظر إلي فيحولني إلى موضوع أتحجر تحت تأثير نظرته، ومن هنا ينشأ جزعي وقلقي على نفسي، لأن الغير يشل إمكانياتي، وأنا بدوري أنظر إليه وأشله وأحوله كذلك إلى موضوع.  لكن رغم ما يطبع موقف سارتر من جدة بالمقارنة من النظرة الواحدية للذات، والتي ميزت الكوجيطو الديكارتي، وأيضا نظرة مالبرانش وغاستون برجي، لم تحل دون توجيه النقد لنظرة سارتر للغير، النظرة القائمة على المعرفة الموضوعية الخارجية والتشييئية، وفي هذا الإطار يمكن استحضار تصور الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلوبونتي (1908-1961) الذي ذهب في كتابه "فينومينولوجيا الإدراك" إلى نقد تصور سارتر مؤكدا "أن نظرة الغير لا تحولني إلى موضوع، كما لا تحوله نظرتي إلى موضوع، إلا إذا انسحب كل منا وقبع داخل طبيعته المفكرة، وجعلنا نظرة بعضنا البعض غير إنسانية"؛ فمعرفة الغير تقتضي مني التعاطف معه، أعتبره مثل ذاتي، يحس ويفكر ويتصرف تماما كما افعل أنا في ظروف مماثلة.  خلاصة ما يمكن استنتاجه من خلال تحليل ومناقشة إشكالية معرفة الغير، هو أن هناك تصورات متباينة تتراوح بين القول باستحالة معرفة الغير وتأكيد هذه المعرفة، والقائلون بإمكانية معرفة الغير، هم أيضا يختلفون في الكيفية التي يجب النظر بها إلى الغير، بين أن تكون الطريقة الوحيدة لمعرفته هي أن يتجلى لوعينا كموضوع، أو كأفق بين-ذاتي يوفر إمكانيات حقيقية للتواصل والتعاطف معه. كما أن النظر إلى الغير كموضوع قد يفضي إلى علاقة سلبية بين الأنا والغير، إنها علاقة تشييء واستلاب، أي النظر إليه كشيء بين الأشياء، وتجميد لكل إمكانيات الغير، مادام هذا الغير جحيما بالنسبة للانا، وهو الأمر الذي عبر عنه سارتر بقوله:"الجحيم هم الآخرون l’enfer c’est les autres".  على هذا الأساس فقد أضحى –حسب رأيي الشخصي- من الضروري الإيمان بإمكانية معرفة الغير، لأن الوقوف عند حدود هذه المعرفة لن يمدنا بفهم عميق للغير كحقيقة وجودية وتفاعلية، إذ لابد من التواصل معه انطلاقا من ضرورة الاعتراف به أولا، ثم النظر إليه لا كموضوع، بل كذات مغايرة مساوية لي في القيمة، تربطنا علاقة احترام متبادلة.



كل سؤال فلسفي يحمل إشكالية محورية يمكن توزيعها إلى عدة تساؤلات فرعية، ثلما يحمل إمكانية جوابين مختلفين على الأقل. يستعمل أحدهما في التحليل، ويرجى الآخر للمناقشة. مثلا السؤال: هل اللغة والفكر متصلان؟ له جوابان على
الأقل هما :
  • الموقف الإتصالي او ما يسمى بالراي الاول، ويملأ مساحة التحليل
  •  الموقف الإنفصالي * الراي المخالف*، ويستثمر في مناقشة الجواب الأول 

1- المقدمة :

تمهيد يرتبط بالموضوع الذي يؤطر السؤال (النظرية، الحقيقة، السعادة...)، ثم إعادة صياغة هذا الأخير بشكل ينفتح على عدة
مقاربات، ستكون محط اهتمامنا خلال العرض (التحليل و للمناقشة)


2- التحليل :

البدءبأحد المواقف وتحليلها تحليلا منظما ينصب على المضمون من جهة وعلى البنية الحجاجية من جهة ثانية. مثلا فيما يخص السؤال السابق يرتكز التحليل على شرح الموقف الإتصالي (دي سوسير + ميرلوبونتي...)، مع عدم إغفال المفاهيم الفلسفية المستعملة في كل موقف

3- المناقشة :

بعد مرحلة إفهام الموقف السابق ننتقل إلى مرحلة الإختلاف والحوار بين المواقف الفلسفية، حيث تحضر الإجابات الأخرى المختلفة والتي تكشف حدود الموقف السابق وقصوره في الإحاطة بكل جوانب الإشكال المطروح، وتساهم في استكمال النظر فيه .


منهجية التعامل مع السؤال المفتوح 

1- نوعان من الأسئلة : 

من خلال استقراء المتن الذي تجمع لحد الآن من أسئلة الامتحان الوطني للباكالوريا في الدورات الماضية، يمكن التمييز بين نوعين من
الأسئلة تبعا لمدى وضوح مطالبها و درجة ارتباطها الصريح والمباشر بإشكالية من إشكاليات الدرس.
  • السؤال المباشر أو المعرفي :
الذي يستفهم حول قضية محددة سبق أن طرحت أثناء البناء الإشكالي للدرس، وكأنه يختبر قدرات الاستيعاب ومهارة عرض المعارف في المقام الأول. مثال: هل الشخص حر في بناء شخصيته؟ هل يتأسس الحق على القوة؟ من أين تستمد نظرية ما صلاحيتها؟ ... وفي مثل هذه الحالات، تتأتى معالجة السؤال جوهريا عن طريق استعراض مختلف الإجابات أو المقاربات أو المواقف الفلسفية التي
تصدت لهذا الإشكال ومحاولة الخروج بخلاصة تنتصر لأحد المقاربات أو توفق بينها جميعا.
  • السؤال الإشكالي : 
الذي لا يحيل بشكل مباشر على الإشكاليات التي سبق تناولها في الدرس. بل إذا كان إشكال النوع الأول أي السؤال المعرفي إشكالا واضحا معطى في ثنايا الاستفهام ذاته، فإنك مطالب هنا بصياغة الإشكال وبنائه و إدراج السؤال ضمن إشكالية فلسفية ليتسنى إضفاء الطابع الفلسفي على المعالجة. أي مساءلة السؤال قبل المضي قدما في الجواب عليه، وانتقاء المعلومات وترتيبها وصياغتها على نحو يجعلها تجيب على السؤال، لأنها في شكلها الخام لا تجيب عليه أبدا !!

       مثال :

لماذا يعتبر العقل في العادة معارضا للأهواء؟ هل يمكن أن نتكلم
كما نريد؟ من يتحدث عندما أقول "أنا"؟ هل يمنع الاعتقاد الشخصي من بلوغ
الحقيقة؟ هل تسمح معرفة الغير بإقامة علاقة صداقة وتواصل معه...

ومن تأمل هذه الأسئلة الأخيرة يتضح لك أن الصعوبة الأولى تتمثل في تحديد ورسم إطار إشكالي للسؤال، وبتعبير مدرسي، لابد أن نتساءل ضمن أي مفهوم / درس أو ضمن أي إشكالية ينبغي إدراج السؤال ومن تم معالجته؟ وما هي المبررات التي تصوغ لنا تأويل مرامي السؤال على هذا النحو وليس على نحو آخر؟ وليس هناك للأسف وصفة أو منهجية جاهزة تعينك على تخطي هذه الصعوبة،
فالأمر يتوقف على ذكائك وقريحتك الفلسفية وزادك المعرفي وبراعتك المنهجية ورشاقة أسلوبك لإقناع القارئ/ المصحح بقيمة المقاربة والمعالجة التي قمت بها للسؤال.
وفي مثل هذه الحالات ، يصعب بكل بساطة الحديث عن منهجية أو وصفة جاهزة لمعالجة مثل هذه الأسئلة. فكل سؤال يملي أو يوحي - بعديا لا قبليا - بمسلك خاص في التعامل معه.

2- المتطلبات المنهجية المشتركة بين نوعي السؤال :

كيفما كانت نوعية السؤال فلابد من :

  • مقدمة :
تتضمن تمهيدا مناسبا يعقبه طرح للإشكال وتفريعه إلى أسئلته الأساسية إذا أمكن، ويمكن للتمهيد ان ينطلق من قراءة مختصرة لمفهوم أو أكثر وارد في السؤال بحثا عن تناقض أو مفارقة أو علاقة ملتبسة تمنح المشروعية لطرحنا الإشكالي وأسئلتنا.

  • عرض :
تقف فيه على مفاهيم السؤال والعلاقات المحتملة بينها، وتستعرض مختلف الأجوبة التي يقدمها تاريخ الفلسفة على السؤال مع الحرص على التدرج والتسلسل ومنطقية الانتقال و إلا أصبح العرض مجرد نزهة – مملة أحيانا – في غابة وأدغال المواقف و الاستشهادات الفلسفية ! ولا تكتف باستدعاء المعرفة الفلسفية التي تلقيتها بل لابد من إغنائها أيضا بمواد من تفكيرك وملاحظاتك الشخصية و توضح ما غمض من الأفكار بضرب الأمثلة الوجيزة المشفوعة بالتنبيه إلى المغزى كلما أمكن، بل وقد تنفتح على الحس المشترك واعتقادات العامة أيضا إذا دعت الضرورة، لأن المقاربة الفلسفية لا تكتسب كامل قيمتها إلا بالمسافة التي ترسمها بينها وبين بداهات الحس
المشترك.
باختصار، يمكنك أن تتصور العرض على النحو التالي، خصوصا إذا كان السؤال يبتدئ بـــ "هل" :

1 / نعم، وذلك لأن ....
2/ لكن، ألا يمكن...، / ماذا عن...،/ ماذا لو قاربنا الإشكال هذه المرة من زاوية
3/ إذن، يتبين .... نخلص ....

ويسمى هذا التصميم جدليا لأنه يحاكي مراحل الجدل عند هيغل ( الأطروحة، النقيض، التركيب)

  • خاتمة :
تلخص فيها نتائج عملية بل مغامرة التفكير التي انخرطت فيها منذ طرح الإشكال في المقدمة وحتى آخر فكرة في العرض .


نموج تطبيقي الأستاذ عبد الكريم بوهو

إلى أي حد لا يمكن لمعرفة الغير أن تكون ممكنة؟

لقد اهتمت الفلسفة مند نشأتها بالوجود الإنساني المتعدد والمتداخل الأبعاد، إلا أن اهتمامها بالغير كمفهوم فلسفي وكمكون أساسي من مكونات هذا الوجود، لم يظهر –حسب العديد من المفكرين-إلا في الفلسفة الحديثة بشكل عام، والمتن الفلسفي الهيجيلي (جدلية العبد والسيد) والديكارتي على وجه التحديد، خاصة وأن الأنا المفكرة تستطيع أن تبني معرفتها بالغير دونما حاجة إلى ضرورة وجوده.على هذا الأساس فإن الحديث عن الغير كذات أو كموضوع، يجعلنا نركز تفكيرنا على الفعل الذي يقوم به الإنسان ليدرك أو يعي حقيقته، والمقصود هنا أن الغير يمكن أن يصير موضوعا للمعرفة، يتجه إليه النشاط الفكري للذات العارفة، مجردا كان أو ملموسا، فكرة أو شيئا.إلا أن الاشتغال على إشكالية معرفة الغير في هذا المستوى، يجعلنا لا نتوقف عند هذا الحد مادامت هذه الإشكالية تجعلنا نضع تقابلا بين الذات المفكرة (بكسر الكاف) والغير المفكر فيه (بفتح الكاف)باعتباره موضوعا للمعرفة، خاصة حينما يكون هذا الموضوع متشيئا منفصلا عن الذات المفكرة المتمتعة بالإرادة والقصدية والحرية والفعالية، بينما يصبح الغير شيئا أمبريقيا يفتقد إلى كل هذه المقومات التي تميز الوضع البشري عن غيره.

إن مثل هذه التقابلات هي التي تدفع التفكير الفلسفي إلى أن يهتم بمفهوم الغير، محاولا تحديد مدى إمكانية أو عدم إمكانية معرفة الغير؛ والجدير بالذكر أن التفكير الفلسفي عادة ما يثير هذه الإشكالية، إما في إطار علاقة السلب أو المماثلة. ويمكن تحديد السلب باعتباره مفهوما يستعمل كمرادف للتميز، وأما المماثلة فتشير -على العكس- إلى التطابق بين الأنا والغير. إن أشباه هذه المفارقات هي التي تدفعنا بقوة إلى طرح التساؤلات التالية:إذا كان الغير هو الأنا الذي ليس أنا، المشابه أو المختلف عني، فكيف تحقق الأنا أو الذات معرفتها به؟ وإلى أي حد يمكن لهذه المعرفة أن تكون ممكنة؟ وإذا كانت كذلك، فهل تتم معرفته كموضوع مثل بقية الموضوعات والأشياء الخارجية؟ أم كأنا آخر يملك من الوعي والحرية ما تملكه الأنا، يعي العالم والآخرين ويدركهما من خلال فعل التواصل؟ أم أن معرفتنا للغير هي مجرد افتراض وتخمين؟ في نفس السياق المرتبط بعدم إمكانية معرفة الغير، ما هي أهم الصعوبات التي تجعل الغير سجنا وحصنا منيعا في وجه كل ذات تريد أن تخترق وعيه؟

قبل الإجابة عن هذه التساؤلات بالدقة التي يتطلبها السؤال الإشكالي موضوع التحليل والمناقشة، يتبين أن صياغته الاستفهامية "إلى أي حد...؟" تسائلنا حول ما مدى استحالة معرفة الغير، بمعنى أنه يدفعنا بشكل صريح إلى الانخراط في الإشكال من خلال الوقوف عند الحدود التي تكون فيها معرفة الغير غير ممكنة، كما يشير المسكوت عنه في هذه الصياغة التساؤلية إلى كون معرفة الغير كذلك يمكن أن تكون ممكنة في حدود وبدلالات محددة ومعقولة.

يحيل منطوق السؤال الإشكالي المفتوح قيد التحليل والمناقشة، على أطروحة ضمنية مفادها أن معرفة الغير لا يمكن أن تكون ممكنة. قبل تحليل هذه الأطروحة بما يلائمها من قضايا وأفكار فلسفية، لا بأس أن نقف عند دلالة بعض المفاهيم الأساسية وعلى رأسها مفهوم الغيرl’Autrui ، وهو اسم مفرد لجمع أغيار، ويعني الآخر من الناس، أي الأنا الآخر منظورا إليه ليس بوصفه موضوعا-حجرا أو حيوان- بل بوصفه ذاتا بشرية تملك وعيا وإرادة؛ إنه كما حددته المعاجم الفلسفية لكل من بول فولكيي Paul Foulquié وأندريه لالاند A.Lalande ، هو "الأنا الذي ليس أنا"، المختلف والمشابه لي، إنه بعبارة أخرى أنا آخر مثلي Alter-Ego . كما أن الاشتغال على دلالة مفهوم الغير لا يمكن أن تتقوم إلا من خلال ترابطه البنيوي والجوهري مع المعرفة باعتبارها نتيجة للفاعلية البشرية المتواصلة، أي أن الغير يصير مجرد صورة ذهنية تتشكل انطلاقا من هذه البنية المعرفية المتميزة بالتطور والتغير والدينامية؛ وبالتالي فإن معرفة الغير سترتبط بالنشاط العقلي أو الحسي الذي تتمثل من خلاله الذات العارفة موضوعا ما، أو هي الدخول في علاقة مع موضوع تكون الذات من خلالها معارف قد تكون خاطئة كما قد تكون صحيحة، نسبية أو مطلقة، مجردة أو حسية ملموسة.

لا يمكن للأنا إلا أن تخطئ كلما حاولت معرفة الغير عبر عملية إسقاط لحالاتها الانفعالية وأحاسيسها وعواطفها، أي الحكم عليها من خلال تجارب الذات، لأن هذا الحكم سيكون لا محالة بعيدا عن الحقيقة، لذلك فإن معرفتنا للغير تظل معرفة افتراضية وتخمينية مادامت أحاسيس وميولات الأنا تظل مغايرة لأحاسيس وميولات الغير.كما أن التواصل مع الغير لا يجب أن يقف عند حدود فعل المعرفة واستخدام مناهج تعتمد على المقاربة بالمماثلة، لأنه من شأن هده المناهج أن تفضي إلى معرفة متخيلة ووهمية للغير، وافتراض شفافية الذات إزاء نفسها وتسليمها بوهم الطبيعة البشرية الكونية. إن مظاهر حالات الغير ومشاعره تكون لها دلالات متعددة ومختلفة، فالبكاء مثلا لا يفيد الحزن دائما، كما لا تفيد الابتسامة والضحك حقيقة كون الغير سعيدا؛ أكثر من هذا أن العقل نفسه ليس دائما هو الطريق الذي يحكم صيرورة بناء معرفة ما حول الغير، ذلك لأن هذه الذات لا تقف – كما تؤكد على ذلك مدرسة التحليل النفسي- عند مستوى الوعي والإدراك الواضحين، لسبب بسيط يتمثل في كون هذه الأخيرة بنية نفسية لاشعورية عميقة يصعب سبر أغوارها بشكل دقيق، إنها تشكل كلا مركبا ومتغيرا عبر تغير الزمان والمكان، وبالتالي تنفلت معرفة الغير من أن تكون موضوع تحديد وضبط علميين لمكوناته الشعورية واللاشعورية أيضا.

يتبين جليا أن مثل هذا الطرح له ما يعززه من أفكار وأمثلة حجاجية مقنعة؛ فالذات الإنسانية هي بنية شعورية ولاشعورية جد معقدة ، ليس من السهل فهم حقيقتها الميتافيزيقية والأنطولوجية، السوسيولوجية والسيكولوجية، وغيرها من أبعاد وجودها الأخرى، وما ظهور العلوم الإنسانية في نهاية القرن التاسع عشر إلا دليل على محاولة هذه العلوم فهم الذات البشرية من خلال زوايا نظر متعددة، عبر الارتكاز على مناهج وطرق جد متطورة تعمل على التقليص من فعالية وعي المبحوث التي يمكن أن تخفي حقيقته الموضوعية؛ ففي علم النفس نتحدث مثلا عن التنويم المغناطيسي، وفي الأنثروبولوجيا يمكن الحديث عن المعايشة...، على اعتبار أن وعي الإنسان هو العدو الخفي الذي يواجه تحقيق الموضوعية في العلوم الإنسانية.

كل ما تقدم من أفكار وقضايا يشير في جوهره إلى أهمية الأطروحة التي يحيل عليها منطوق السؤال، على اعتبار أنها تركز على ضرورة إدراك الصعوبات التي تواجه إمكانيات معرفة الغير، من خلال الوقوف عند أهم الإشكالات التي تطرحها هذه المعرفة، لتفتح آفاقا أخرى ترتكز على محاولة تطوير مناهج البحث العلمي في هذا الباب؛ مع العلم أن حدود هذه الأطروحة تفتح الباب أيضا أمام رؤية أخرى لا تعدم إمكانية معرفة الغير كموضوع أو كذات أو كبنية يستهدفها حقلنا الإدراكي عبر عمليات التواصل والحوار.

من بين أهم التصورات الفلسفية التي سارت على نفس المنوال معتبرة أن معرفة الغير غير ممكنة، نجد تصور الفيلسوف الفرنسي نيكولاس مالبرانش N.Malebranche الذي يقوم على قناعة مفادها أن معرفتنا للغير هي معرفة افتراضية لا تقوم على اليقين مادامت معرضة للخطأ، لأنها تقوم على مماثلة الأنا بالغير عبر ما كونته الذات من معرفة حول نفسها بواسطة الإحساسات، وهذا ما يجعل معرفة الغير غير يقينية، وفي هذا السياق يؤكد مالبرانش أنه " من البين أننا لا نعرف نفوس الناس الآخرين، ولا نعرف عقولهم كما هي إلا معرفة قائمة على التخمين" وهذا راجع في نظره إلى كون إحساسات ومشاعر الأنا ليست هي نفسها إحساسات ومشاعر الغير، لذلك تصبح المماثلة بين الطرفين عملية خاطئة. صحيح أنه من الممكن أن تجد الذات في تفكيرها نوعا من المماثلة مقارنة مع تفكير الغير فيما يتعلق ببعض القضايا، مادام العقل هو القاسم المشترك بيننا، يجعل النتائج المتوصل إليها واحدة، خاصة الأمور التي تدرك بالعقل لا بالإحساس والمشاعر والميول، لأن هذه الأخيرة قد تغلب الظلم مثلا عن العدل، والمال بدل الشرف، والشر عوض الخير، فالحالات الانفعالية إيجابية كانت(الفرح) أو سلبية (الغضب والحزن) تؤثر على حكم الشخص أثناء معرفته للغير؛ كل هذه المتغيرات تجعل الفرد مخطئا كلما حاول الحكم على الآخرين من خلال هذه الحالات، لأن شعور أو إحساس الغير بها يكون مخالفا للأنا.

يعتبر تصور مالبرانش بخصوص معرفة الغير امتدادا للموقف الديكارتي الذي يعتبر وجود الغير افتراضيا واحتماليا فقط، وتحقيق معرفة حوله هي أيضا معرفة تخمينية وافتراضية. فإذا كان الوعي الديكارتي يعكس حضور الذات إزاء نفسها، معنى هذا أن الذات المفكرة لا يمكن أن تجزم يقينا سوى بوجودها الخاص. لقد وجد هذا التصور العقلاني الذي يشكك في قدرة الأنا على معرفة الغير ما يؤيده في الفلسفة المعاصرة، إذ نجد الفيلسوف الفرنسي غاستون برجيGaston BERGER (1896- 1960) يذهب من خلال مؤلفه "من القريب إلى الشبيه، حضور الغير" إلى تأكيد استحالة -أو على الأقل - صعوبة معرفة الغير بسبب عزلة كل ذات داخل عالمها الخاص، وفي هذا السياق يقول: " إن روحي ملك لي فعلا، غير أنني سجين داخلها، ولا يمكن للآخرين اختراق وعيي، مثلما لا يمكنني فتح أبوابه لهم، حتى ولو تمنيت ذلك بكل صدق...فالتجربة الذاتية وحدها هي الوجود الحقيقي، فأنا أعيش وحيدا محاطا بسور، وأشعر بالعزلة أكثر من شعوري بالوحدة، وعالمي السري سجن منيع، وأكتشف في نفس الوقت، أن أبواب عالم الآخرين موصدة في وجهي، عالم منغلق بقدر انغلاق عالمي أمامهم. إن ألم الغير، يكشف لي بمرارة انفصالنا الجذري عن بعضنا البعض، انفصال لا يقبل الاختزال بتاتا".

يتبين من خلال تصور غاستون برجي أنه قد صنف نفسه في خانة القائلين "بوحدانية الذات Solipsisme"، لكنه قد تعرض إلى انتقادات متعددة من طرف بعض الفلاسفة المعاصرين نذكر منهم الفيلسوف والأديب الفرنسي جون بول سارتر (1905-1980) الذي ذهب في مؤلفه "الوجود والعدم" إلى تأكيد إمكانية معرفة الغير، لكن كموضوع لا كذات، وفي هذا السياق يقول: "إن الكيفية الوحيدة التي يمكن أن ينكشف لي بها الغير هي أن يتجلى لمعرفتي كموضوع". ولتوضيح هذه القولة، ينطلق سارتر من اعتبار الغير إنسانا وليس شيئا، أي كائن تنتظم حوله الأشياء الأخرى، وهذا الإنسان الآخر ينظر إلي فيحولني إلى موضوع أتحجر تحت تأثير نظرته، ومن هنا ينشأ جزعي وقلقي على نفسي، لأن الغير يشل إمكانياتي، وأنا بدوري أنظر إليه وأشله وأحوله كذلك إلى موضوع.

لكن رغم ما يطبع موقف سارتر من جدة بالمقارنة من النظرة الواحدية للذات، والتي ميزت الكوجيطو الديكارتي، وأيضا نظرة مالبرانش وغاستون برجي، لم تحل دون توجيه النقد لنظرة سارتر للغير، النظرة القائمة على المعرفة الموضوعية الخارجية والتشييئية، وفي هذا الإطار يمكن استحضار تصور الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلوبونتي (1908-1961) الذي ذهب في كتابه "فينومينولوجيا الإدراك" إلى نقد تصور سارتر مؤكدا "أن نظرة الغير لا تحولني إلى موضوع، كما لا تحوله نظرتي إلى موضوع، إلا إذا انسحب كل منا وقبع داخل طبيعته المفكرة، وجعلنا نظرة بعضنا البعض غير إنسانية"؛ فمعرفة الغير تقتضي مني التعاطف معه، أعتبره مثل ذاتي، يحس ويفكر ويتصرف تماما كما افعل أنا في ظروف مماثلة.

خلاصة ما يمكن استنتاجه من خلال تحليل ومناقشة إشكالية معرفة الغير، هو أن هناك تصورات متباينة تتراوح بين القول باستحالة معرفة الغير وتأكيد هذه المعرفة، والقائلون بإمكانية معرفة الغير، هم أيضا يختلفون في الكيفية التي يجب النظر بها إلى الغير، بين أن تكون الطريقة الوحيدة لمعرفته هي أن يتجلى لوعينا كموضوع، أو كأفق بين-ذاتي يوفر إمكانيات حقيقية للتواصل والتعاطف معه. كما أن النظر إلى الغير كموضوع قد يفضي إلى علاقة سلبية بين الأنا والغير، إنها علاقة تشييء واستلاب، أي النظر إليه كشيء بين الأشياء، وتجميد لكل إمكانيات الغير، مادام هذا الغير جحيما بالنسبة للانا، وهو الأمر الذي عبر عنه سارتر بقوله:"الجحيم هم الآخرون l’enfer c’est les autres".

على هذا الأساس فقد أضحى –حسب رأيي الشخصي- من الضروري الإيمان بإمكانية معرفة الغير، لأن الوقوف عند حدود هذه المعرفة لن يمدنا بفهم عميق للغير كحقيقة وجودية وتفاعلية، إذ لابد من التواصل معه انطلاقا من ضرورة الاعتراف به أولا، ثم النظر إليه لا كموضوع، بل كذات مغايرة مساوية لي في القيمة، تربطنا علاقة احترام متبادلة.